أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
416
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بمعنى المستقبل أي : لمن يلقي ، لأنّ النهي لا يكون عمّا وقع وانقضى ، والماضي إذا وقع صلة صلح للمضيّ والاستقبال . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة : « السّلم » بفتح السين واللام من غير ألف ، وباقي السبعة : « السَّلامَ » بألف ، وروي عن عاصم : « السّلم » بكسر السين وسكون اللام . فأما « السَّلامَ » فالظاهر أنه التحية . وقيل : الاستسلام والانقياد ، والسّلم - بفتحهما - الانقياد فقط ، وكذا « السّلم » بالكسر والسكون . والجحدري بفتحها وسكون اللام ، وقد تقدّم القول فيها في البقرة « 1 » . فعليك بالالتفات إليه . والجملة من قوله « لَسْتَ مُؤْمِناً » في محل نصب بالقول . والجمهور على كسر الميم الثانية من « مُؤْمِناً » اسم فاعل ، وأبو جعفر بفتحها اسم مفعول أي : لا نؤمّنك في نفسك ، وتروى هذه القراءة عن علي وابن عباس ويحيى بن يعمر . قوله : تَبْتَغُونَ في محل نصب على الحال من فاعل « يقولوا » أي : لا تقولوا ذلك مبتغين . قوله : « كَذلِكَ » هذا خبر ل « كان » قدّم عليها وعلى اسمها أي : كنتم من قبل الإسلام مثل من أقدم ولم يتثبّت . وقوله « فَمَنَّ اللَّهُ » الظاهر أن هذه الجملة من تتمة قوله « كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ » فهي معطوفة على الجملة قبلها . وقيل : بل هي من تتمة قوله « تَبْتَغُونَ » والأول أظهر . وقوله : « فَتَبَيَّنُوا » قرئت كالتي قبلها فقيل : هي تأكيد لفظي للأولى ، وقيل : ليست للتأكيد لاختلاف متعلقهما ، فإنّ تقدير الأول : « فتبيّنوا في أمر من تقتلونه » ، وتقدير الثاني : فتبينوا نعمة اللّه ، أو تثبّتوا فيها ، والسياق يدل على ذلك ، ولأنّ الأصل عدم التأكيد . والجمهور على كسر همزة « إِنَّ اللَّهَ » ، وقرىء « 2 » بفتحها على أنها معمولة ل « تبيّنوا » أو على حذف لام العلة ، وإن كان قد قرىء بالفتح مع التثبت فيكون على لام العلة لا غير . والمغانم : جمع « مغنم » ، وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان ، ثم يطلق على كل ما يؤخذ من مال العدو في الغزو ، إطلاقا للمصدر على اسم المفعول نحو : « ضرب الأمير » . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 95 إلى 100 ] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 95 ) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 96 ) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 100 ) قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : متعلق بمحذوف لأنه حال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه القاعدون ، فالعامل في الحال في الحقيقة يستوي .
--> ( 1 ) الآية ( 208 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 3 / 330 ) .